السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
24
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
فقيدنا تراث إنساني بقلم كمال بك جنبلاط « 1 » يختلف الناس في التأريخ ، ويتوزّعون إلى اتّجاهين مندفعين متباريين ، في الموقف من الحياة ، والتصرّف بمشكلاتها . فمنهم من يأخذ الواقع كما يجيء ، وكما يفرضه تطوّر الأحداث ، موقنا أنّ دارنا الفانية هذه المحجوبة - بعامّتها لا بخاصّتها - عن إشراق الحقيقة ، إنّما هي دار ازدواج وتناقض وتعاكس متّصل ، ظلمة ونور ، صواب وخطأ ، جحيم عذاب ، ونعيم جنّة ، كلّ يعكس فيها ما يختزنه من وميض الأزل . فالدنيا هكذا - عند هؤلاء - وستبقى هكذا إلى أبد الآبدين ، لا يصلحها مصلح إلّا لفترة ولا يقوّم اعوجاجها نبيّ ولا صاحب دعوة إلّا لحقبة ، ثمّ تعود البشريّة تنقلها أوضارها منحدرة نحو ما كانت عليه ؛ لأنّها بعد كلّ شيء من دم وروح . ولا يمنع هذا الاعتبار - عندهم - أحدنا أن يقوم بدوره ، كلّ دوره ، من تبديد الحجب ، وإضاءة الطريق قدر ما يستطيع ، ولا يطلب منا إلّا ما توفّره لنا القدرة من مقاييس وانطلاقات في شؤون الحاضر والغد ، وهكذا يستمرّ المجتمع يعيش ببقاء الصالحين ، وانتشار أرواحهم ، ولو خلا زمن من الأبدال لتقهقر الكون إذن وانعدم . والفئة الثانية تؤمن بالحقّ وبتحقّقه صريحا لا مزيجا ، وتدين بتطوّره في لبسه وقشره ، في كينونته الداخليّة ، وصيرورته الخارجيّة ، في شكله ومحتواه . هذه الفئة بسيطة النظر بساطة لا تركيب فيها ولا ازدواج ، والحقّ في نظرنا مثال كمثالات الأفلاطونيّة القديمة . قبل تشخّصها بالأشكال والأجساد ، وقبل أن يذهب المعلّم اليوناني إلى إحدى جزر أتباعه - وقد حكم عليها - ويضطرّ بعد قليل من التجربة إلى الهرب منها خوفا على حياته ، متّخذا من سقراط ومصيره عبرة ؛ إذ قال : لو
--> ( 1 ) - . هو رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي ، ومن كبار زعماء لبنان وقادة الأفكار فيه ، عرف بوطنيته وجرأته وجهاده فضلا عن كونه رجلا ضخما في العلم والفلسفة ، ولد سنة 1335 واغتيل سنة 1397 .